السيد كمال الحيدري

203

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

تدّعيه من مرتكزات علمية مزعومة تقوم على أساس التقاطع العرقى والتفاضل في البنى التكوينية للعقل أو عامل الجغرافية والروح العامّة واللون وما سوى ذلك . فنصيب الإنسان الشرقي أو الآسيوى أو السامي أو المسلم أو العربي من العقل والعقلانية وإدراك العلاقات السببية بين الظواهر والأشياء لا يختلف بنيةً ولا يتفاوت استعداداً مع نصيب الإنسان الغربى أو الأوربى أو الآرى ، ومن ثمّ فإنّ واقع التخلّف الذي ترزح به المجتمعات الإسلامية ليس قدراً محتوماً ولا قضاءً مبرماً ناشئاً من اعتناقها للدين وإيمانها بالقضاء والقدر . كلّا ، بل بمقدورها أن تحافظ على إيمانها وتبقى على معتقدها بالقضاء والقدر وتسلك طريق النهضة والتقدّم . عند هذه النقطة بالذات يكمن الافتراق بين تيّارات الفكر الاجتماعي ذات المنطلق غير الإسلامي وبين تيّارات الفكر الاجتماعي الإسلامي . فالباحثون المسلمون هم أيضاً ينقدون الواقع الاجتماعي القائم بمختلف منطلقاتهم الإصلاحية والتغييرية وعلى صعيد رموزهم الإحيائية والحركية والفكرية والثقافية ، لكن ليس بإسقاط انتماء الإنسان المسلم للدين أو بتخلّيه عن عقيدة إلهيّة ومعتقد قرآنىّ مثل القضاء والقدر ، بل بإلغاء الفهم العرفي الخاطئ لهذا المعتقد والاندراج في إطار الفهم الديني العلمي الصحيح له . أكثر من ذلك ، أنّ الإيمان بهذا المعتقد هو من بين ما يضع الإنسان المسلم في قلب نظام السببية ويدفعه إلى ممارسة الواقع من خلال العقلانية الصارمة ، ويضىء له الطريق لتوظيف فعله عن حريّة كاملة وبإرادة واختيار ، لا أن يسلّم نفسه إلى المجهول ، وإلى قوّة ماورائية غائمة بدعوى الإيمان بالقدر أو الركون إلى عقلية غيبية استسلامية ، والشعور من ورائها بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع . على هذا فالإسلاميّون ينتقدون الواقع الاجتماعي القائم أيضاً ، لكن باختلاف جذري يتقاطع بالكامل مع الرؤية الغربية ومن يمثّل امتدادها في العالم